تعتبر استقالة رئيس الوزراء صباح الخالد الصباح بعد 99 يواماً من تشكيل حكومته الرابعة (بعد اعلان 26 نائباً عدم التعاون مع حكومته ) انتصاراً للإرادة الشعبية، وهو الانتصار الثالث منذ الانتخابات الماضية بعد فوز المعارضة في انتخابات 5 ديسمبر 2020، وإسقاط الحصانة المزيفة التي حاول أن يمنحها لنفسه من خلال قانون “المزمع”
اما من حيث قدرة الشعب الكويتي على الإطاحة بأكبر مسؤول تنفيذي في الدولة، فهو كذلك ثالث انتصار منذ الإطاحة برئيس الوزراء الاسبق ناصر المحمد ثم جابر المبارك حيث أجبر كلاهما على ترك منصبه اثر فضائح فساد و ضغط الرأي العام.
تأتي استقالة رئيس الحكومة اليوم لتعيد الاعتبار للإرادة الشعبية التي أهدرت في انتخابات الرئاسة، بعد التحالف المشؤوم بين صباح الخالد و كتلة مرزوق لتفرض الاخير رئيساً لمجلس الامة رغما عن إرادة الامة التي عبر عنها الشعب الكويتي في ديسمبر 2020. كما انها تمهد الطريق لانتخابات مبكرة لإقصاء رئيس المجلس في أي انتخابات قادمة.
لكن ، على الرغم من نشوة الانتصار الشعبي لسقوط صباح الخالد ، فإن جوهر الصراع السياسي في الكويت لا يتعلق بشخص من يتولى مسئولية السلطة التنفيذية أو التشريعية – رغم أهمية ذلك- بقدر ما هو صراع ارادات (إرادة السلطة الحاكمة والإرادة الشعبية)، و الذي لا يزال مستمراً منذ بدايات القرن الماضي، او على اقل تقدير منذ بداية الحياة النيابة بعد دستور 1962.
وعلى الرغم من حسم دستور 1962 لهذه المسألة في المادة السادسة التي اعتبرت أن الأمة هي مصدر السلطات جميعاً، إلا أن إرادة السلطة ما زالت تعتبر نفسها صاحبة اليد العليا، غير عابئة بما تعاقد عليه الحاكم والمحكوم. فها هي السلطة تفرض إرادتها في تشكيل الحكومة، وفي انتخابات رئاسة المجلس بل حتى في الانتخابات البرلمانية التي أفسدتها بالمعاملات والمال السياسي.
ومع عدم التقليل من أهمية فرض الأمة لإرادتها السياسية في إجبار رئيس الحكومة على الاستقالة إلاّ الكويت لن تتمكن من الخروج من نفق الصراعات السياسية اللامتناهية ولن تصل لمرحلة الاستقرار البناء حتى تخرج البلاد من حالة الشذوذ السياسي التي لا تحترم الإدارة الشعبية التي تأتي بها صناديق الاقتراع.
ما لم تتحقق تلك المعادلة التي تكون فيها السلطة التنفيذية انعكاساً حقيقاً للبرلمان المنتخب انتخاباً حراً، فإن حالة التوتر السياسي ستستمر بين السلطتين، وسيتعاقب العديد من رؤساء الحكومات الذين تقصر قاماتهم عن هذه المسئولية الجسيمة.
وستتكرر سيناريوهات حل مجالس الأمة، وستتوقف مشاريع التنمية وستتراجع البلاد خطوات أكثر إلى الخلف حتى يأتي جيل من الأسرة الحاكمة يُدرك أنه لا مناص من التسليم لإرادة الأمة التي ينص دستورها على أنها مصدر السلطات جميعاً.
